الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

137

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بقوله : حَتَّى تَغْتَسِلُوا للاهتمام وهو جار على استعمال قليل ، كقول موسى بن جابر الحنفي - أموي - : لا أشتهي يا قوم إلّا كارها * باب الأمير ولا دفاع الحاجب وقوله : حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهي عن الصلاة إذا كانوا جنبا ، فهو تشريع للغسل من الجنابة وإيجاب له ، لأنّ وجوب الصلاة لا يسقط بحال ، فلمّا نهوا عن اقترابها بدون الغسل علم من ذلك فرض الغسل . والحكمة في مشروعية الغسل النظافة ، ونيط ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلّي في حالة كمال الجسد ، كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع . ومن أبدع الحكم الشرعية أنّها لم تنط وجوب التنظّف بحال الوسخ لأنّ مقدار الحال من الوسخ الذي يستدعي الاغتسال والتنظف ممّا تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم ، فنيط وجوب الغسل بحالة لا تنفكّ عن القوة البشرية في مدّة متعارف أعمار البشر ، وهي حالة دفع فواضل القوة البشرية ، وحيث كان بين تلك الحالة وبين شدّة القوّة تناسب تامّ ، إذ بمقدار القوة تندفع فضلاتها ، وكان أيضا بين شدّة القوة وبين ظهور الفضلات على ظاهر البدن المعبّر عنها بالوسخ تناسب تامّ ، كان نوط الاغتسال بالجنابة إناطة بوصف ظاهر منضبط فجعل هو العلّة أو السبب ، وكان مع ذلك محصّلا للمناسبة المقتضية للتشريع ، وهي إزالة الأوساخ عند بلوغها مقدارا يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطا بأعظم عبادة وهي الصلاة ، فصارت الطهارة عبادة كذلك ، وكذلك القول في مشروعية الوضوء ، على أنّ في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى ، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتور باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم ، حسبما تفطّن لذلك الأطباء فقضيت بهذا الانضباط حكم عظيمة . ودلّ إسناد الاغتسال إلى الذوات في قوله : حَتَّى تَغْتَسِلُوا على أنّ الاغتسال هو إحاطة البدن بالماء ، وهذا متّفق عليه ، واختلف في وجوب الدلك أي إمرار اليد على أجزاء البدن : فشرطه مالك - رحمه اللّه - بناء على أنّه المعروف من معنى الغسل في « لسان العرب » ، ولأنّ الوضوء لا يجزئ بدون ذلك باتّفاق ، فكذلك الغسل . وقال جمهور العلماء : يجزئ في الغسل إحاطة البدن بالماء بالصبّ أو الانغماس ؛ واحتجّوا بحديث ميمونة وعائشة رضي اللّه عنهما في غسل النبي صلى اللّه عليه وسلم أنّه أفاض الماء على جسده ، ولا حجّة فيه لأنّهما لم تذكرا أنّه لم يتدلّك ، ولكنّهما سكتتا عنه ، فيجوز أن يكون سكوتهما لعلمهما بأنّه المتبادر ، وهذا أيضا رواية عن مالك رواها عنه أبو الفرج ، ومروان